﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾

📖

العلم في القرآن الكريم : طريق التكريم والاستخلاف وعمارة الأرض

قال الله تبارك وتعالى:
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ سورة طه، الآية 114.
تُعدّ هذه الآية من أعظم الآيات التي تُبـيّن مكانة العلم في القرآن الكريم. فالله تعالى يأمر نبـيّه ﷺ أن يطلب الزيادة من العلم، رغم أنه يتـلقى الوحي من الله. وفي ذلك دلالة واضحة على أن طريـق العلم لا يـنتهي، وأن الإنسان مهما بلغ من المعرفة يبقى محتاجًا إلى المزيد من الفهم والبصيرة.
إن هذا الدعاء القرآني يُعـلِّـم الإنسان التواضع؛ فالعلم الحقـيـقي لا يقود إلى الكِـبر، بل إلى إدراك حُدود المعرفة البشرية أمام علم الله اللاّمُتـناهي.

📌

أولًا: العلم مِـنحة إلهية
يُـؤكد القرآن الكريم أن أصل العلم من الله تعالى، وأن الإنسان لا يعلم إلا ما علمه الله.
قال تعالى:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ سورة البقرة، الآية 31
وكان تعليم آدم الأسماء أوّل مظهر من مظاهر تكريمه، حتى قبل نزوله إلى الأرض. فالقرآن لا يربط كرامة الإنسان بالقوة الجسدية أو الثروة، وإنما يربطها بالعلم والمعرفة.
ولما عرض الله الأسماء على الملائكة قالوا:
﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ سورة البقرة، الآية 32
فهذه الآية تؤسس لقاعدة قرآنية عظيمة:
كل علم يملكه الإنسان هو في الأصل تعليم من الله.
ولهذا قال سبحانه:
﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ سورةالإسراء، الآية 85.
وقال تعالى :
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ سورة يوسف، الآية 76.
فمهما اتسعت معارف البشر يَـبقى علمهم محدودًا أمام علم الله الذي لا يحده زمان ولا مكان.

📌

ثانيًـا: العلم سبب نهضة الأمم والرفعة
قال الله تبارك وتعالى في الآية الأولى من سورة العلق
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ثم قال في الآيتين 4 و 5 ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فرسالة القرآن هي دعوة إلى القراءة والتعلم واكتساب المعرفة. وهذا يدل على أن بناء الإنسان يبدأ من العلم، وأن نهضة الأمم تقوم على المعرفة والفهم. كما يربط القرآن الكريم الرّفعة بالإيمان والعلم معًا، وجاء ذلك في قول الله تبارك وتعالى ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ سورة المجادلة، الآية 11. فالإيمان يمنح الإنسان القيم والغاية، والعلم يمنحه الفهم والقدرة والعمل. ولهذا لم يقل الله: « يرفع العلماء » فقط، بل قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾. لأن العلم إذا انفصل عن القيم قد يتحول إلى أداة فساد، أما إذا اقترن بالإيمان صار وسيلة للإصلاح والخير.

📌

 ثالثا: العلم والخشية من الله
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ سورة فاطر، الآية 28. إن الخشية هنا ليست خوفًا مجردًا، بل هي معرفة بعظمة الله من خلال التأمل في آياته في الكون والحياة والإنسان. فكلما اتسعت معرفة الإنسان بخلق الله ازداد إدراكًا لعظمة الخالق ودقة صُنعه. ولهذا كان العلم في القرآن طريقًا إلى الإيمان، وليس خصمًا له.

📌

 رابعًا: سلطان العلم وعمارة الأرض
من الآيات التي تفـتح بابًا واسعًا للتفكر، قول الله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا ۚ لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ سورة الرحمن، الآية 33. والسلطان في لغة القرآن يدل على القـدرة والبرهان والتمكـين. ومن صُـور هذا السلطان في عالمنا المُـعاصر سلطان العلم والمعرفة؛ فبالعلم استطاع الإنسان أن يكتـشف قوانين الكون، ويصنع وسائل النقل والاتصال، ويصل إلى الفضاء، ويستكـشف الكواكب، ويطور الطب والهندسة. غير أن القرآن يُـذكّر الإنسان دائمًا بأن هذا السلطان ليس مستقلًا عن إرادة الله، بل هو جزء من السّـنن التي أودعها الله في خلقه. فالإنسان يكـتـشف القوانين الكونية التي خلقها الله، ويتعلم كيفية الاستفادة منها.

📌

 خامسًا: العلم والاستخلاف في الأرض
إن قصة آدم عليه السلام تكشف أن العلم مرتبط بمهمة الإنسان في الأرض.
فقد علم الله آدم الأسماء كلها وجعله خليفة في الأرض. يقول الله تبارك وتعالى في الآية 30 من سورة البقرة ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ﴾
وهذا يبين أن الاستخلاف لا يقوم على القوة وحدها، بل على الفهم والمعرفة والقدرة على التعلم.
ومن هنا نفهم لماذا يدعو القرآن إلى النظر والتفكر والتدبر والسير في الأرض.
فالصناعة والهندسة والطب وعلوم البيئة وغيرها من العلوم … كلها صور من عمارة الأرض التي كلف الله الإنسان بها.

🔹

خاتمة
يجمع القرآن بين العلم والإيمان في منظومة متكاملة. فالعلم نعمة من الله، ووسيلة لفهم الكون، وطريق لعمارة الأرض، وسبب للرفعة بين الناس، وعامل من عوامل الخشية والبصيرة.
ومن هنا نفهم السر في اختيار هذا الدعاء العظيم:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
إنه دعاء لا يختص بمرحلة معينة من العمر، ولا بنوع محدد من العلوم، بل هو منهج حياة كامل؛ فالمؤمن يظل طالبًا للعلم ما دام حيًا، متواضعًا أمام عظمة الخالق، ساعيًا إلى اكتساب المعرفة النافعة وتسخيرها في الخير والإصلاح.
فكلما ازداد الإنسان علمًا، ازداد معرفة بحدود نفسه، وازداد إدراكًا لعظمة الله، وازداد قدرة على أداء الأمانة التي خُلق من أجلها: عبادة الله وعمارة الأرض بالحق والعدل والإحسان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
rotate_right
إغلاق

إرسال رسالة

صورة
إغلاق

مفضلاتي

صورة
الإشعارات visibility rotate_right مسح الكل إغلاق close
صورة
صورة
arrow_left
arrow_right