🟣المقدمة
تُعدّ التقوى من المفاهيم المركزية في القرآن الكريم، فقد تكرر ذِكرها في مواضع كثيرة، وارتبطت بالهداية والعبادة والأخلاق والعلاقات الإنسانية والنجاة والجزاء. والتـقوى في أصلها اللغوي من الجذر العربي : وَ قِ يَ، التي تَـدور حول الوِقاية والحِماية واتخاذ ما يَـحُول دون وُصول الضرر أو المكروه. ومع كَـثرة وُرُودها، فإن مفهوم التقوى لا يبدو محصورًا في معنى واحد بسيط؛ فالقرآن يتحدث عن اتقاء الله، وعن اتقاء النار، وعن التعاون على البر والتقوى، وعن المُتـقين الذين ينالون الهداية والفلاح، وعن الذين يتقون الله فيكون لهم المخرج والرزق والتيسير، وعن كون التقوى معيارًا للكرامة بين البشر. ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى القرآن نفسه، ومحاولة دراسة المفهوم من خلال الآيات التي تستعمله، ثم ربط هذه الآيات بعضها ببعض، حتى تـتكون أمامنا صُورة قرآنية مُـتكاملة. فالقرآن الكريم يقول: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ سورة البقرة، الآية 2. وهذه الآية تضع التقوى مُنذ البداية في علاقة مُباشرة بالهداية. ثم يقول تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ سورة البقرة، الآية 24، وهنا يظهر معنى الوقاية بوضوح. وفي موضع آخر يقول تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ سورة الحجرات، الآية 13، فتصبح التقوى معيارًا للكرامة الإلهية. ثم يقول: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ سوة الطلاق، الآيتين 2و3، فـتظهر آثار التقوى في حياة الإنسان. ويقول تعالى أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ… الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ سورة الزمر، الآيتين 17و18. وهنا يظهر بُعْـد آخر يرتبط بالتمييز وحُسن الاختيار. ومن خلال هذه الآيات وغيرها، تحاول هذه الدراسة أن تُجيب عن سؤال أساسي: ما هي التقوى كما يَعْرضها القرآن الكريم؟ وكيف تـتحول من مفهوم إلى منهج حياة ؟
🟢الفصل الأوّل : مفهوم التـقوى : بعض المعاني والأفعال المُرتبطة بالتـقوى في كتاب الله
🟠التقوى وأساس الهداية
يبدأ القرآن الكريم سورة البقرة بقوله تعالى:
﴿الٓمٓ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾
ثم يصف المتقين بقوله:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ سورة البقرة، الآيتين 3و4.
ثم يقول تعالى في الآية 5 من سورة البقرة
﴿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
هذه الآيات تقدم لنا صورة مهمة جدًا.
فالتقوى ليست مجرد كلمة تُـوصف بها فئة معينة، وإنما تظهر من خلال مجموعة من الصفات والأعمال:
الإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة، والإنفاق مما رزق الله، والإيمان بما أنزل الله، والإيمان بالرسل والكتب السابقة، واليقين بالآخرة.
وتكون النتيجة : الهداية والفلاح.
فالتقوى إذن مرتبطة منذ بداية القرآن بـ كيفية استقبال الإنسان للهداية والعمل بها.
ولا يكون القرآن مجرد كِـتاب يُقرأ، وإنما يُـصبح هدى لمن تهيّـأت نفسه لقبوله والعمل بما يهديه إليه.
🟠التـقوى وكرامة الإنسان :
من أهم الآيات في موضوع التـقوى قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ سُورة الحجرات، الآية 13.
تبدأ الآية بنداء شامل:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾.
ثم تذكر الأصل الإنساني المشترك:
﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ﴾.
ثم تـتحدث عن التـنوع:
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾.
والغاية المذكورة هي:
﴿لِتَعَارَفُوا﴾.
ثم يَـأتي مِعيار الكرامة :
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فالآية لا تجعل الجنس أو النسب أو القـبيلة معيارًا للكرامة عند الله، وإنما تجعل التـقوى هي المعيار.
وهذا من أقوى المواضع التي يظهر فيها أن التـقوى قيمة إنسانية تـتجاوز الانتماءات الخارجية.
أما التعارف بين الشعوب والقبائل، فـيـفتح مجالًا واسعًا للـتواصل والتعاون والتعلم المُـشترك وتَـبادل الخبرات. كما أن التعارف بين الشعوب يُعزز الأمن والسّـلام العالمي.
🟠التقوى والوقاية :
من أهم المواضع التي تكشف جانبًا من معنى التقوى قوله تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ ﴾ سورة البقرة، الآية 24.
هنا يأتي فعل اتقوا مرتبطًا مباشرة بـ النار.
وهذا يبرز معنى الوقاية والحماية والابتعاد عن السبب المؤدي إلى الهلاك.
ومن هنا يمكن فهم التقوى باعتبارها موقِـفًا عمليًا: أن يتخذ الإنسان من السلوك ما يحميه من العاقبة السيئة.
وهذا المعنى لا ينفصل عن قوله:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
فاتّـقاء الله يعني أن يتخذ الإنسان طريقًا يحْـميه من غضب الله وعِـقابه، وذلك بطاعته واجتِـناب ما نَهى عنه.
وتـتضح العلاقة بين التـقوى واجتناب الشر في قوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ سورة المائدة، الآية 2.
فهنا نجد تقابلًا واضحًا: البر والتقوى
في مقابل: الإثم والعدوان.
وهذا يؤكد أن التقوى ليست انفصالًا عن الحياة، بل هي موقف أخلاقي يحمي الإنسان والمجتمع من الإثم والعدوان.
🟠التقوى والبر والإحسان والصلاح :
من الآيات الجامعة في هذا الموضوع قوله تعالى :
﴿ لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ ۖ وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ ۗ أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177].
ويختم الله الآية بقوله :
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
وهذه الخاتمة شديدة الأهمية.
فالآية تذكر الإيمان، وإيتاء المال، والصلاة، والزكاة، والوفاء بالعهد، والصبر… ثم تـقول: ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ إذن التقوى تظهر في العمل، وهي ليست مُجرّد شعور داخلي أو ادعاء لفظي. ويتأكد هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ سورة النحل، الآية 128. فـتأتي التـقوى والإحسان في سياق واحد. كما يرتبط الإحسان في القرآن بالحُـسن والإتـقان في العمل وفعل الخير، مما يفتح مجالًا لفهم التـقوى باعتبارها حالة تدفع الإنسان إلى تحسين عمله وعلاقاته. ومن هنا يمكن القول إن البر والإحسان والصلاح هي مفاهيم تظهر في القرآن بوصفها من أهَـمّ مظاهرالتقوى وثمراتها العملية.
🟠التـقوى واتباع أحسن القول :
من أجمل المحاور التي تكـشِف بُعدًا آخر للتـقوى الآيتان 17 و 18 من سُورة الزمر: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ ۖ فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. رغم أن لفظ التقوى لا يرد في هاتين الآيتين، فإنهما تكشفان جانبًا مُهمّا من المنهج الذي يتكامل مع مفهوم التقوى. تبدأ الآية 17 بـ: ﴿اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ويَعني لُغويًا: ابتعدوا وتـنحّوا عن كل ما يقوم على تجاوز الحدّ والطغيان ويُـتخذ في موضع العبادة من دون الله ثم: ﴿وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ وهذه عَـوْدة إلى الله. ثم: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ ثم: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾. إذن أمامنا حركة متكاملة: اجتناب و إنابة واستماع و تمييز واتباع الأحسن و هداية. وهذا يُضيف إلى مفهوم التـقوى بُعدًا مُهِـمًّا. فالتـقوى ليست فـقط أن يعرف الإنسان ما يجب أن يَـتجَـنبه، بل أن يكون قادرًا أيضًا على التميـيز بين ما يَسمع واختيار الأحسن واتباعه. ثم تأتي النتـيجة :
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾.
ويختم الله الآية بقوله :
﴿وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فالله يربط بين اتباع الأحسن والهداية وأولي الألباب
🟠التـقوى والحَـذر والوِقاية في التعامل مع الآخرين : يقول الله تبارك وتعالى:
﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾ سورة آل عمران، الآية 28
تلفت هذه الآية النظر إلى بُعد مهم من أبعاد التقوى، يتصل بالحذر والوقاية عند وجود ما قد يعرّض الإنسان للضرر. فقوله تعالى: ﴿إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةً﴾ يربط التقوى هنا باتخاذ الحيطة والوقاية، مما يبيّن أن مفهوم التقوى في القرآن أوسع من أن يُختزل في معنى الخوف؛ فهي قد تتضمن، بحسب السياق، أن يحفظ الإنسان نفسه مما قد يلحق به من ضرر.
وفي الوقت نفسه، تدعونا الآية إلى التمييز بين الولاء الذي تتحدث عنه وبين مجرد التعامل مع الآخرين. فليس في الآية نهْـيٌ عن كل علاقة أو معاملة مع غير المؤمنين، ولا نهْـيٌ أيضًا عن البرّ أو القسط أو حسن التعامل معهم، وإنما تتناول اتخاذهم أولياء من دون المؤمنين، أي إقامة نوع من العلاقة التي تضع ولاء المؤمنين خارج موضعه الذي تحدده الآية.
ومن هنا تزداد أهمية قراءة هذه الآية في ضوء الآيات الأخرى التي تتناول العلاقة مع غير المؤمنين. يقول الله تعالى:
﴿لَا يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ﴾ سورة الممتحنة، الآية 8
فالقرآن يضع أمامنا هنا صورتين ينبغي عدم الخلط بينهما: الحذر والوقاية عندما يكون هناك ما يستدعيهما، والبرّ والقسط وحسن التعامل عندما لا يوجد اعتداء أو إخراج من الديار.
وبذلك يتضح أن التقوى لا تعني أن يعيش الإنسان في عزلة عن الآخرين لمجرد اختلافهم في الإيمان، ولا أن يحوّل الاختلاف الديني إلى رفض للإنسان أو إلى ظلم له. وإنما تعني أن يكون واعيًا بطبيعة العلاقة، فيحفظ نفسه من الضرر حيث يوجد موجب للحذر، وفي الوقت نفسه يلتزم بالبرّ والقسط حيث أمر الله بهما.
وهذا يفتح لنا معنى دقيقًا في مفهوم التقوى: أن يَتَّقي الإنسان ما ينبغي أن يتّقيه، من غير تجاوز لحدود الله في التعامل مع الآخرين. فالتقوى هنا ليست خوفًا أعمى من الآخر، وإنما وعيٌ يوجّه السلوك، وحذرٌ عند الحاجة، وعدلٌ في كل الأحوال.
🟢الفصل الثاني : التقوى ومعرفة الإنسان بحدود نفسه.
من الآيات العميقة في دراسة موضوع التقوى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ سُـورة النجم، الآية 32. هذه الآية تضع أمام مفهوم التقوى بُعدًا بالغ الأهمّـية : الإنسان مُطالب بالسعي إلى التـقوى وفعل الخيرات، لكنه ليس مخوّلًا أن يَـمْـنح نفسه شهادة التـفوق فيها.
فالآية تـبدأ بوصْـف أناس : ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾. وهذا وَصْـف عَملي للتـقوى؛ فالإنسان المُـتـقِي يجتهد في اجتناب كبائر الإثم والفواحش. لكن بعد هذا الوصف مُـباشرة تأتي العبارة التي تمنع الإنسان من تحويل عمله الصالح إلى مصدر للغُـرور: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾. وهنا تـتجلى دقة المنهج القرآني. فالإنسان مَدْعو إلى العمل الصالح، لكن يجب أن لا يغـتـرّ ويصبح عمله الصالح مصدرا للإعجاب بنفسه ،وهو مدعو إلى التقوى، لكن لا يُـمكنه أن يُـنصب نفسه حَـكمًا على مِـقدار تـقواه أو تقوى غيره. إن العبارة القرآنية ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ أتـت بصيغة النهي وهي تمثل حاجزا أمام الغرور. يقول تعالى في نفس الآية : ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
فالقرآن يَـعرض الإنسان باعتباره كائنًا يَـجتهد في اجتِـناب كبائر الإثم والفواحش، ومع ذلك يظل في دائرة الحاجة إلى مغفرة الله. فالإنسان لا يصبح معصومًا من الخطأ لأنه يسعى إلى التقوى، بل إنه يخطئ ويحتاج إلى المغفرة.
ولهذا جاء في الآية : ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
ثم جاء:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾.
فسياق الآية يربي الإنسان على الجمع بين أمرين:
الاجتهاد في التقوى، والاعتراف بالحاجة إلى مغفرة الله.
يقول الله تبارك وتعالى في نفس الآية :
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾.
وهنا تظهر حقيقة مُهـمّة : يُمكن للإنسان أن يجتهد في التقوى، وأن يُراقب نفسه ويُـصلح عمله، لكنه لا ينبغي أن يدّعي لنفسه منزلة لا يعلم حقـيقـتها إلا الله.
🟢الفصل الثالث : ثمار التقوى
🟠المخرج والرزق والتيسير:
من أجمع المواضع في بيان ثمار التقوى سورة الطلاق، الآيتين 2 و 3 ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ ثم الآية 4:﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ و الآية 5 : ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ في هذه الآيات نجد سلسلة من الثمار للتقوى : المخرج و الرزق و اليسر و تكفير السيئات و عِظَم الأجر. ولا ينبغي فهم هذه الآيات على أنها وعد بأن حياة المُـتـقي ستكون خالية من المشكلات، وإنما تُـبين أن التـقوى تكون سببًا في أن يجعل الله للإنسان مخرجًا من أمره، ويُـيسر له، ويَغفر له، ويُعظم أجره. وهذا وعد قرآني يحمل معنى عميقًا في علاقة الإنسان التقي بالله عند مواجهة الشدائد.
🟠التقوى سبب للنجاة :
قال تعالى:﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ سُـورة فصلت، الآية 18.فالنجاة هنا ترتبط بالإيمان والتقوى. والتـقوى ليست مُجرد قيمة أخلاقـية دنيوية، بل هي منهج حياة يُوجّه الإنسان في الدنيا، ويرتبط بمصيره في الآخرة. وتـظهر التـقوى في هذه الآية من سورة فصلت باعتبارها سُـلوكًا يحفظ الإنسان من عاقـبة طريق الفساد. وفي سورة مريم، الآية 63 يقول تعالى:﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا﴾ فينتـقِـل التعبير في هذه الآية من النجاة من العذاب إلى الوصول إلى الجنة. والتـقوى ليست مُجرد فعل مُحّدد، وإنما وصف للإنسان الذي أصبح التـقوى منهجًا له. إن كلمة ﴿نُورِثُ﴾ في الآية 63 من سورة مريم تحمل معنى العـطاء والتمليك والإكرام الإلهي لمن كان تقيًّـا. وفي سُـورة المدثر، الآية 56 ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَىٰ وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ تـفتح هذه الآية معنى آخر: الله أهل التقوى، أي هو المُـستحق وهوالأهْـل لأن يُـتقى، أي أن تكون لله في وَعْـي الإنسان مكانة تدفعه إلى مراقبة عمله والابتعاد عن الظلم والفساد والإثم. والله كذلك ﴿أَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ عندما يقع الإنسان في الخطأ ويرجع إليه.وهنا تجتمع التقوى والمغفرة في سياق واحد.
🟣التقوى في أكمل صورها: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.
بعد أن تعرفنا على جوانب مُـتعددة من التقوى، يأتي قوله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ سُـورة آل عمران، الآية 102.هذه الآية تصلح أن تكون من أقوى مواضع خاتمة البحث. فالتقوى هنا ليست موقفًا مؤقتًا، وإنما ترتبط بحياة الإنسان كلها، وعبارة: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ تدل على بذل الإنسان غاية ما يستطيع في الاستقامة والتزام أمر الله. ولا ينبغي أن نفهمها على أنها دعوى وُصول الإنسان إلى الكمال المُطلق؛ فالله وحده أعلم بدرجة تقوى كل إنسان، كما قال:﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ لكنها دعوة إلى أن تكون التقوى جدّية وشاملة ومُستمرّة، حتى يلقى الإنسان ربّـه.
