📖✒️ تقوى الله وكشف السوء: دراسة تدبرية في الابتلاء والدعاء والصبر والبر والإنفاق ومُواصلة رسالة الإنسان في الأرض

  • الرئيسية
  • دراسة
  • 📖✒️ تقوى الله وكشف السوء: دراسة تدبرية في الابتلاء والدعاء والصبر والبر والإنفاق ومُواصلة رسالة الإنسان في الأرض

يمر الإنسان في حياته بمراحل متعددة، تـتسع فيها أحيانًا أبواب اليُـسر والطمأنينة، ويَـمُـرّ أحيانًا بظروف شديدة تحتاج إلى الصبر والرجاء والتوجه إلى الله. والقرآن الكريم يُـقدم للإنسان في هذه المراحل منظومة مُـتكاملة من المعاني: الدعاء، والتقوى، والصبر، والبر، والإنفاق، والتوكل، والرجاء، والعمل الصالح. ومن الآيات التي تـفـتح لنا بابًا واسعًا في هذا الموضوع قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ سورة النمل، الآية 62
فالآية تجمع بين الدعاء وكشف السوء وخلافة الإنسان في الأرض، وتضع هذه المعاني ضمن سياق يُـؤكد قدرة الله ووحدانيته.
ومن هُـنا ينطلق هذا البحث ليـتدبّـر معنى كشف السّوء، وعلاقـته بالتقوى والصبر والدعاء والبر والإنفاق، مع التوقف عند نماذج من ابتلاء الأنبياء عليهم السّلام، ثم النظر في مرحلة ما بعد الشدة: مرحلة اليُـسر ومُـواصلة الإنسان رسالته في الأرض وفعل الخيرات.

🟢

المحور الأول : كشف السوء في سورة النمل: التوحيد وقدرة الله في الخلق والرزق والهداية وكشف السوء

تأتي الآيات 60 إلى 64 من سورة النمل في سياق مُتـتابع يعرض مظاهر عظيمة من قدرة الله وتدبيره. وتبدأ السلسلة بقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ سورة النمل، الآية 60

ثم يقول تعالى: ﴿أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ سورة النمل، الآية 61

ثم تبلغ السلسلة موضعًا بالغ الأهمية في بحثنا:

﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ سورة النمل، الآية 62

ثم يتواصل السياق: ﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ سورة النمل، الآية 63. ويُختَم هذا السياق بقوله تعالى: ﴿أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ سورة النمل، الآية 64

🟠 التوحيد الخالص لله أساس هذا السياق.

تتكـرر في هذه الآيات عبارة: ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ وهذا التكرار يكشف عن محور أساسي يجمع الآيات كلها، وهو توحيد الله وإفراده بالألوهية. فالله يذكّر الإنسان بأفعال عظيمة من أفعال قدرته وتدبيره: هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنزل الماء، وأنبت الحدائق، وجعل الأرض قرارًا، وأجرى الأنهار، وأرسى الجبال، وجعل الحاجز بين البحرين، ويُـجيب المضطر، ويكشف السوء، ويهدي في ظلمات البر والبحر، ويُرسل الرياح، ويبدأ الخلق ثم يعيده، ويرزق من السماء والأرض. ثم يأتي السؤال القرآني بعد هذه الأفعال: ﴿أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ فتـتوجه الآيات بالإنسان إلى حقيقة عظيمة: هذه الأفعال من مظاهر ربوبية الله وقدرته وتدبيره، ولذلك يكون التوجه إليه وحده بالعبادة والدعاء والرجاء. وهكذا يظهر أن آية كشف السوء جاءت في قلب سياق قرآني يؤكد التوحيد الخالص لله، وأن الرجاء في كشف السوء يرتبط بالتوجه إلى الله وحده.

🟠

المضطر والدعاء
يقول تعالى:
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾. تـقدم الآية الدعاء في صورة توجه صادق إلى الله، ثم يأتي بعدها: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. فـتـنشأ أمامنا علاقة واضحة بين الاضطرار و الدعاء ثم الاستجابة و كشف السوء. وهذا يجعل الدّعاء بابًا من أبواب الرجاء والثـقة بالله.

🟠

كشف السوء وخلافة الأرض : إن من أجمل ما في هذه السلسلة من الآيات في سورة النمل أنها لا تقف عند: ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ بل تـتابع: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾. وهذا الانتقال مُهمّ جدًا في فهم موضوعنا. فكَـشف السوء يفـتح أمام الإنسان مجالًا لمُواصلة حياته ومسؤوليته. وبذلك يُـصبح اليُـسر مجالًا للعمل، والرزق مجالًا للعطاء، والقدرة مجالًا للإصلاح، والحياة مجالًا لفعل الخيرات.

🟢

المحور الثاني: الابتلاء والدعاء والصبر : نماذج من حياة الأنبياء عليهم السلام
تُـقدم لنا قصص الأنبياء نماذج عظيمة في التعامل مع الشدة والابتلاء، وتبيّـن أن صفوة البشر مرّوا بمراحل تحتاج إلى الدعاء والصبر والإنابة والرجاء.

🟠

أيوب عليه السلام: الدعاء وكشف الضر قال تعالى:﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ﴾ سورة الأنبياء، الآيتين 83 و84. تظهر هنا معانٍ متـتابعة: الدعاء والاستجابة وكشف الضر والرحمة والعطاء.

🟠

يونس عليه السلام: الدعاء والنجاة
قال تعالى: ﴿… فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ سورة الأنبياء، الآيـتـيـن 87 و88
وهنا نجد الدّعاء والتوحيد والاستجابة والنجاة في سياق واحد.

🟠

سليمان عليه السلام: الابتلاء والإنابة
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَـٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًۭا ثُمَّ أَنَابَ ۝ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا…﴾ سورة ص، الآيتين 34 و35 ثم قال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ…﴾ سورة ص، الآية 36. تظهر في هذه الآيات معاني الابتلاء والإنابة والدعاء ثم فتح أبواب جديدة من العطاء.

🟠

يعقوب عليه السلام: الصبر والرّجاء والسعي
قال تعالى:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ سورة يوسف، الآية 18
وقال تعالى في الآية 87 من السورة نفسها:
﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾سورة يوسف، الآية 87
وفي هاتين الآيتين يلتقي الصبر بالرجاء والسعي؛ فالصبر الجميل يمنح الإنسان الثبات، والرجاء بالله يفتح أمامه أبواب الأمل، والسعي يجعله يواصل العمل في طريق الوصول إلى الفرج.

🔵

الرضا بتدبير الله مع مواصلة المسؤولية والعمل : قال الله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ سورة الأنبياء، الآية 23. تضع هذه الآية الإنسان أمام حقـيقة عميقة: الله سبحانه هو العليم المُدبّـر، والإنسان يعيـش ضمن حُدود علمه وقدرته. فالإنسان لا يعلم الغيب، ولا يُـحيط بما يحمله المستقبل من أحداث وأبواب وأقدار، بينما علم الله مُـحيط بكل شيء. ويقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة، الآية 216. ومن هنا يستطيع الإنسان أن يرضى بتدبـير الله، وأن يضع أمره بين يدي ربه، وأن يعيـش مراحل حياته بقلب مُتوكّـل راجٍ لرحمة الله. والرضا بتدبـير الله ينسجم مع مُـواصلة المسؤولية؛ فالإنسان مسؤول عن أعماله واختياراته، ولذلك تستمر مسؤوليّـته في كل مراحل حياته. وهكذا يجتمع في حياة الإنسان: الرضا بتدبير الله و الدّعاء و الصبر و التقوى والعمل.

🟢

المحورالثالث : التقوى والصبر والبر والإنفاق :
منظومة متكاملة لمواصلة طريق الخير

🟠

التـقوى في القرآن ليست معنى منفصلًا عن حياة الإنسان، بل تظهر آثارها في سلوكه وعمله وعلاقـته بالناس.
وقد وصف الله المتـقين في مطلع سورة البقرة:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ سورة البقرة، الآية 3
ثم:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ… وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾
سورة البقرة، الآية 4
ومن هنا تظهرعلاقة جميلة بين التـقوى والصلاة والإنفاق.

🟠

التـقوى والفرقان
قال تعالى:
﴿إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾
سورة الأنفال، الآية 29
فالتـقوى تمنح الإنسان فرقانًا، أي قُـدرة على التميـيز والهداية في اختياراته.

🟠

التقوى محبة من الله
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ سورة التوبة، جزء من الآيتين 4 و7
وهاتان الآيتان تحْـملان معنى عظيمًا في بحثِـنا، لأن التقوى ليست فـقط سبيلًا إلى المخرج واليُـسر، بل هي أيضًا صِفة يُحبّها الله سُـبحانه تعالى.
فمن هم المتقون؟ المتقون هم الذين يجعلون بينهم وبين ما يُـسخط الله وقاية، فيخشونه ويَـستحضرون مسؤوليّـتهم أمامه، ويَحرصون على طاعته والعمل بما يُـرضيه، ويَـجتـنـبون ما نهى عنه. والقرآن الكريم يُـكرّر دعوة الإنسان إلى التـقوى في مواضع كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ سورة البقرة، الآية 281، وهذه الآية بالذات مهمة جدًا؛ لأنها تربط التـقوى باليوم الذي يرجع فيه الإنسان إلى الله وبمسؤوليته عن عمله. فالتـقوى في القرآن الكريم ترتبط بالخوف من الله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ سورة البقرة، الآية 41 وقوله: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ سورة البقرة، الآية 197 ومن هنا يمكن أن نفهم التقوى باعتبارها وعيًا دائمًا بعلاقة الإنسان بربه، وخشيةً منه، وحرصًا على مرضاته، واستقامةً في القول والعمل.
إن التقوى ليست مجرد شعور داخلي، وإنما تظهر في حياة الإنسان من خلال الصلاة، والإنفاق، والبر، والصبر، والعمل الصالح.
وهنا تظهر لنا صورة متـكاملة جدًا للمتـقي: إيمان، وصلاة، وإنفاق، ويقين، وهداية وفلاح. وقد وعد الله من يتـقيه في سُـورة الطلاق، الآيتـين 2 و3 : ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ لأن التقوى ليست كلمة مجردة؛ إنما هي منهج حياة، ولهذا جاء الوعد بعدها بالمخرج والرزق.

🟠

 التقوى والهداية ومسؤولية الإنسان أمام الله :
إن مفهوم المتـقـين في القرآن الكريم يتجاوز الانتماء إلى شعب أو قبيلة أو جماعة؛ فالله تعالى يقول في سورة الحجرات، الآية 13، وهو يخاطب الناس جميعا ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍۢ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًۭا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓا۟ ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَىٰكُمْ ۚ﴾. ثم يختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾. فالله وحده يعلم حقيقة التـقوى في الإنسان، ويعلم ما بلغه من الهداية، وما أدركه من الحق، وكيف استجاب لما عرفه وبلغه. ولذلك فإن الحكم على الناس في حقيقة تـقواهم وهداهم يرجع إلى الله العليم الخبير. كما يقرر القرآن الكريم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ سورة الإسراء، الآية 15. وهذا يـبـين أن مسؤولية الإنسان أمام الله ترتبط بما بلغه من الرسالة والهداية. فالله يحاسب عباده بعلمه وعدله، ويعلم لكل إنسان ظروفه وما وصل إليه من البيان. ومن هنا نفهم أن التـقوى استجابة للهداية التي تبلغ الإنسان؛ فكلما عرف الإنسان من أمر الله شيئًا، كانت معرفـته أمانة ومسؤولية، وظهرت تـقواه في استجابته للحق وفي أعماله وأخلاقه.
أما الإنسان الذي لم تـبلغه رسالة القرآن، فلا يَـنبغي لنا أن نـتولى الحكم على مصيره أو أن نحدد كـيْـفِـية حسابه؛ فذلك من علم الله وحده. ويُـمكننا، في حدود ما تدل عليه الآيات، أن نـقول إن الله لا يظلم أحدًا، وإن حسابه قائم على العلم والعدل. وهذا ينسجم مع قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ سورة الكهف، الآية 49

🟠

الصبر والبرّ
قال تعالى:
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
سُورة البقرة، الآية 177
وتجمع هذه الآية بيـن البرّ والصبر والتـقوى ضمن بناء واحد.
وقال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
سُورة الزمر، الآية 10
فالصبر قـوّة لمواصلة الطريق، ومجال واسع للثبات والعمل والرّجاء.

🟠

الإنـفاق في سبيل الله ورعايَـة الإنسان
يحتـل الإنفاق مكانة بارزة في القرآن الكريم.
قال تعالى:
﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
سُورة البقرة، الآية 274
وتظهر في الآية صُورة جميلة للاستمرار في العطاء: بالليل والنهار، سرًا وعلانية.
ويقول تعالى:
﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾
سورة آل عمران، الآية 92
فالإنفاق هنا مرتبط بالبرّ ارتباطًا مباشرًا.
وقال تعالى في وصف الأبرار:
﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ۝ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾
سُورة الإنسان، الآيتين 8 و9
وهنا يظهر الإنفاق في صورة إطعام ورعايَـة ورحمة.
كما يذكر القرآن الكِـسوة في سِـياقات مختلفة، ومنها:
﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾
سورة المائدة، الآية 89
وقال تعالى:
﴿وَكَسْوَتُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾
سورة البقرة، الآية 233
وهكذا تـتعـدّد صُور العطاء: مال، وطعام، وكِـسوة، وإعانة، وبر وإحسان.

🔵

الإنفاق وعلاقـته بكشف السوء
إن الإنسان الذي يمرّ بضيق يرجو أن يكشف الله عنه السوء، ويمكن للإنسان الآخر أن يكون وسيلة من وسائل الخير التي يصل بها العطاء إلى المحتاج.
قد يكون كشف السوء عن إنسان في صورة طعام يصل إليه، أو كسوة يحتاج إليها، أو مال يعينه، أو مُساعدة تخفـف عنه أمرًا من أمور الحياة.
وهكذا يُـصبح الإنسان، بما آتاه الله من رزق وقدرة، وسيلة للخير في حياة الآخرين.
وتـتصل هذه الفكرة بقوله تعالى:
﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾.
فالله هو كاشف السوء، والإنسان يحمل مسؤولية في الأرض، ومن صور هذه المسؤولية العطاء والرّعاية والإصلاح.

🟢

المحور الرابع : التـقوى والمَـخرج والرزق واليُـسر
يقول تعالى:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا ۝ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
سُـورة الطلاق، الآيتـين 2 و3
ثم يقول:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾
سُـورة الطلاق، الآية 4
وتضع هذه الآيات التـقوى في علاقة واضحة بالمخرج والرزق واليُـسْر.
فالإنسان يستطيع أن يجعل التـقوى منهجًا لحياته، وأن يَـثق بوعد الله، وأن يُواصل عمله وسَـعْـيَه.
وتصبح هذه الآيات من أقوى الآيات التي تجمع بين موضوع التقوى وكشف السّوء.

🟢

المحور الخامس: بعد كشف السوء، حياة أجمل ومُـوَاصلة الرّسَـالة في الأرض

من أهم النتائج التي وصلنا إليها أن كشف السوء يمثل فـتْـحًا لمرحلة جديدة.
فالإنسان بعد زوال الشدة يستطيع أن يواصل رسالته في الأرض، وأن يجعل من اليُـسر مجالًا للعمل، ومن الرزق مجالًا للعطاء، ومن القدرة مجالًا للإصلاح.
وهذا المعنى ينسجم مع ترتيب الآية 62 من سورة النمل :
﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾.
فبعد كشف السّوء يأتي ذكر خلافة الأرض.
وهذا يجعلنا نـتدبر أن الحياة بعد زوال المِحنة يمكن أن تصبح أجمل وأوسع مجالًا للخير.
فـيُواصل الإنسان البر، والإنفاق، وإطعام المحتاج، والإصلاح، والعمل الصالح، وفعل الخيرات.
وهكذا تستمر الرسالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
rotate_right
إغلاق

إرسال رسالة

صورة
إغلاق

مفضلاتي

صورة
الإشعارات visibility rotate_right مسح الكل إغلاق close
صورة
صورة
arrow_left
arrow_right